كيف تسيطر الخوارزميات على وعيك

كيف تحولت وسائل التواصل من نافذة على العالم إلى سجن للأفكار؟

كيف تحولت وسائل التواصل من نافذة على العالم إلى سجن للأفكار؟ دعني أُلخّص لك حيات شخصٍ مدمنٍ لمواقع التواصل بشراهة، يجلس عليها أكثر من نصف يومه. تستيقظ، وبالتأكيد أول ما تفعله هو البحث عن هاتفك... تجده أخيرًا، تحت الوسادة أو على الطاولة المجاورة لسريرك، ثم تبدأ بتفقّد من أرسل لك، ومن ردّ على رسائلك. "واو" ما أجمل هذه الأغنية… حسنًا، إلى المقطع الثاني. ألم أتصفح تيك توك؟ كيف نسيت؟ هيّا، لحظات لأعود إلى إنستغرام… وهكذا، حتى تمضي ساعةٌ على الأقل. جيد، نحن ما زلنا في مطلع اليوم.

نعم، تتناول فطورك مُقلّبًا مواقع التواصل أيضًا؛ وفي الغالب تشاهد تلك المقاطع القصيرة، لأن دماغك لم يعد يحتمل مقطعًا يتجاوز خمس عشرة ثانية، بل إنك تُسرّع هذه الثواني القليلة أحيانًا. تُكمل يومك وأنت تتفقد تلك الوسائل كل عشر دقائق على الأقل. لا تستطيع أن تنغمس في حديثٍ انغماسًا كاملًا؛ تظلّ مترقّبًا في كل لحظة ما قد وصلك من رسائل، ومن شاهد ذلك "الستوري" الذي نشرته. حتى ينعكس ذلك على أبسط المواقف، تلك التي لا تُعدّ همومًا أصلًا، بل ترفيهًا؛ فلا تستطيع إتمام مشاهدة فيلم دون أن تقطعه خمس مرات كل نصف ساعة لتتفقّد وسائلَك.

تفعل أكثر الأشياء إمتاعًا، ومع ذلك تعجز عن التركيز فيها لفترات ممتدة، ولا عن الانغماس الحقيقي. وإذا مررتَ بلحظةٍ جميلة، فأول ما تُخرجه هو عدستاك… بالطبع لا عدستا عينيك، بل هاتفك. تصوّر اللحظة وأنت تفكر: كيف ستنشرها؟ ماذا ستكتب؟ أيُّ أغنيةٍ تليق بها أكثر؟ هذا ونحن في أبسط المواقف، في المرفّهات لا في الواجبات. فما بالك إذا تحدثنا عن الدراسة؟ عن القراءة؟ عن التعلّم والبحث؟

نعم، أعلم… أعلم أنك تحاول جاهدًا كل يوم؛ أن تستيقظ، أن تُنجز، أن تقرأ بضع صفحات من ذلك الكتاب… ثم ينتهي بك المطاف على أحد التطبيقات التي انتصرت عليك كعادتها. أعلم أنك تُنشئ قائمة مهام، وتَعِد نفسك بإنجازها مع نهاية اليوم، وأعلم أنك لا تُتمّ ربعها، ثم تُقنع نفسك أن الغد لن يكون كاليوم… ويتكرر المشهد.

كيف انتقلنا من كتبٍ وبحوثٍ ودراساتٍ ونظريات، من علومٍ وأدبٍ وشعرٍ وفن، من رواياتٍ وقصصٍ ومسرحٍ ومكتبات، من مخطوطاتٍ تُورَّث، ومجلاتٍ فكرية، وصالوناتٍ أدبية، ومناظراتٍ علمية، ومحاضراتٍ عامرة، وندواتٍ حيّة، من رسائلَ مكتوبةٍ بعناية، ومذكراتٍ شخصية، وسيرٍ ذاتية، ويومياتٍ صادقة، من لوحاتٍ تُتأمّل، وموسيقى يُنصت إليها، وأفلامٍ تُناقش، ونصوصٍ تُحلَّل، من معاجمَ تُراجع، وأرشيفاتٍ تُحفَظ، ومكتباتٍ تُزار، وقرّاءٍ يصبرون على الفهم… إلى منشوراتٍ عابرة، ومقاطعَ مبتورة، وملخّصاتٍ سطحية، وعناوينَ مستفزّة، وردودٍ مقتضبة، ومحتوى مُستهلك، وآراءٍ مُستعارة، وثقافةِ اقتباس، وحضورٍ شكلي؟

كيف تحوّلت الرسائل الورقية، المرصوصة بالمعاني، المغمورة بالبيان والتعبير المفرِط في البلاغة، إلى تلميحٍ بإعجابٍ عابر على "ستوري"؟ كيف انحدرت تلك المناظراتُ المضرِمةُ بالأفكار، السامقةُ بالنقاش، إلى ردودٍ مُعلَّبة… بل إلى خواءٍ لا نقاش فيه أصلًا؟ وكيف طُمست المسارح، بما كانت تقدّمه من فنٍ راقٍ، إلى ما يُسمّى اليوم بالفن الحديث؟ إلى رقصات تيك توك، وأغانٍ بإيقاعٍ صاخبٍ أجوف، خالٍ من المعاني النبيلة، خالٍ من الفكرة والخيال؟ بل… كيف طمسنا نحن؟ هل تبادر إلى أذهاننا يومًا أن ننسى كيف نفكّر؟

أن ننسى كيف يكون الإنسان حين يُعمِلُ عقلَه؟ كيف؟ التكنولوجيا التي لا ترى إلا ما تريد أن تراه الإجابة ثقيلة على الصدور… عزيزي القارئ، مؤسسي هذه التطبيقات صمّموها بعناية؛ لتحويل كل ما هو سامٍ إلى هذه المهزلة الراهنة. ولكن هناك ما هو أخطر مما تظن. هناك  تقنية "غرفة الصدى"  أو  "Echo Chamber" . هل سمعت عنها؟ هي تلك الخوارزميات التي تعمل في صمت خلف كل تطبيق تستخدمه. مهمتها بسيطة للغاية:  أن تُريَك فقط ما تحب، وتُخفي عنك كل ما لا تحب. تخيل أنك دخلت غرفةً مغلقة، وجدرانها مرايا.

كلما تحدثت، سمعت صوتك يتردد. لا صوت آخر. فقط أنت، تتحدث إلى نفسك، وتسمع نفسك، وتصدّق أن صوتك هو الحقيقة الوحيدة. هذا بالضبط ما تفعله خوارزميات وسائل التواصل. أنت تشاهد مقطعًا واحدًا لسيارة رياضية؟ ستمطرك التطبيقات بمقاطع السيارات الرياضية حتى تشعر أن العالم كله يتحدث عن السيارات فقط. أعجبتك فكرة سياسية معينة؟ سترى فقط المؤيدين لها، ولن ترى أبدًا منتقديها. وستصدّق أن الجميع يوافقك الرأي. هذا هو الخطر الحقيقي. الخوارزمية لا تهتم إذا كانت المعلومات صحيحة أم خاطئة. لا تهتم إذا كانت الفكرة سليمة أم مشوهة.

كل ما تهتم به هو: هل ستبقى منشغلاً بالتطبيق أم لا؟ إن كانت المعلومة الكاذبة تثير فضولك أكثر، ستراها. إن كان الفيديو المضلل يبقيك مشدودًا للشاشة، سيشحنونك به. أنت لا ترى الحقيقة. أنت ترى ما يريدونك أن تراه، وما يريدونك أن تصدّقه. وهكذا، تنغلق عقولنا تدريجيًا. نقتنع بأن آرائنا هي الصحيحة، لأن كل من نتابعهم يقولون نفس الشيء. ننسى أن هناك آراءً أخرى، حقائق أخرى، عوالم أخرى خارج تلك الغرفة المغلقة. وهكذا نصبح أكثر استقطابًا، أكثر تعصبًا، وأقل استعدادًا للاستماع أو الحوار. كيف تحوّلنا من كائنات مفكرة إلى مستهلكين سلبيين؟

صُممت هذه التطبيقات لتستخدمها بلا وعي، بلا غاية، لتُدمنها؛ حتى إذا أغلقتها، ظللت تفكر فيها. جعلوا منك وسيلةً إلى… اللاشيء. إلى لا شيء سوى تشتيتك، لتُدمنها كما تفعل الآن. كي تنسى كيف كان عقلك يفكر، ويكتب، ويُسهب، ويتحاور بشغف. تنسى أن تمنح اللحظات حقّها، أن توثّقها بذاكرتك، بعينيك، بحواسك… لا بعدسة تطبيقاتهم.

كي تنسى أن تستمتع بلحظاتك مع والديك وإخوتك وأصدقائك، وأن تنسى أن تصف لوالدتك روعة ما صنعت من طعام، وأن تُعرض عن سماع إخوتك الصغار حين يأتونك يروون يومهم الحافل في المدرسة، وأن تنسى أن تعيش اللحظة دون أن تفكر في تصويرها أو مشاركتها، وأن تنسى أن تردّ الابتسامة لعابر الطريق، وأن تعجز عن التعبير عن مشاعرك… فتستبدل ذلك كلّه بالتقليب بنهمٍ في مقتطفات حياة الآخرين، فتمسي حياتك مُستهلكةً في متابعة ما لا يخصّك، وتفلت منك تفاصيلك الصغيرة واحدةً تلو الأخرى دون أن تنتبه.

كي تصبح اللحظات عديمة القيمة إن لم تُشارك، وأن تقتني ما تقتنيه لأن الجميع يملكه، لا لأنه يوافق ذوقك، وأن تُقاس الأشياء عندك بعدد من يراها لا بصدق ما تعنيه، وأن تفقد تدريجيًا إحساسك بما يُشبهك فعلًا. كي تقفي، عزيزتي القارئة، أمام المرآة متفحّصة، لماذا لا يشبه أنفك أنف تلك "المؤثرة"؟ ولماذا لا يشبه خصرك خصر تلك العارضة؟ ولماذا لا تملكين المال الكافي لشراء حقيبةٍ قد تكفي لإطعام مئة عائلةٍ محتاجة لعامٍ كامل؟ وكي تقف عزيزي القارئ متسائلًا، لماذا لا تشبه سيارتك تلك "الفاخرة" التي تلمع في الإعلانات؟

ولماذا لا يشبه منزلك تلك القصور الشاهقة ذات الحدائق الواسعة والغرف التي لا تُعدّ؟ ولماذا لا تمتلك جسدًا كأجساد أولئك الرياضيين؟ ولماذا لا تملك المال الكافي لاقتناء ساعةٍ باهظة الثمن، أو سيارةٍ رياضيةٍ قد تُغيّر حياة قريةٍ كاملة لو وُجّه لها ثمنها؟ كي تُشكّك في قيمتك، وفق معايير تلك التطبيقات المبتذلة. هذا ما يريدونه تحديدًا. لا أن تُشتت فحسب، ولا أن تُستنزف قدرتك على التفكير فحسب، ولا أن تُصبح بليد الفهم ضعيف الملاحظة فحسب، بل أن تُشكّك في نفسك أيضًا. أن تغرق في مظهرك، في هيئتك، إطلالتك، ملامحك، شعرك، بشرتك.

أن تصبح لمعة حذائك أهم عندك من سموّ عقلك. أن يصبح إعجابٌ من شخصٍ تُسميه "crush" على قصتك أهم من ألف كتاب، ومئة نقاش، وسبعين فكرة، أهم من مهامك اليومية التي وعدت نفسك فيها أن تقرأ، وتكتب، وتتعلّم تلك اللغة التي لطالما رغبت بها. لقد صُممت بعناية لتكون ما أنت عليه. فيزيدون عدد عدسات كاميرا هاتفك لتنعَم أنتَ أكثر، ويُضاعفون متعة المحتوى المقدم كي تنفصل عن العالم أكثر، ويزيدون تفاهة ما يُعرض حتى يزداد عقلك خمولًا وتبلّدًا.

ويُعاد تحديثها باستمرار؛ لتشدّك أكثر، لتُعطّل حضورك في الحياة أكثر، لتطمس وعيك أكثر، وتُقصي عقلك عن دوره… أكثر فأكثر. أتساءل، هل ما زلتَ أنتَ من يستخدمها، أم أصبحت هي من تستخدمك؟